الشنقيطي

226

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إذا شكونا سنة حسوسا * تأكل بعد الأخضر اليبيسا يعني بالسنة الحسوس : السنة المجدبة التي تأكل كل شيء ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن ، وكلاهما حق فنذكرهما معا ، وما يشهد لكل واحد منهما . قال بعض العلماء : وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد ؛ لأن الكلام في وقعة أحد ولكن التثنية في قوله مثليها تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر ؛ لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون ، ولا حجة في قوله : تَحُسُّونَهُمْ [ آل عمران : 152 ] ؛ لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين ، وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد ، كما هو معلوم . فإن قيل : ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله : قَرْحٌ مِثْلُهُ [ آل عمران : 140 ] وبين التثنية في قوله : قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [ آل عمران : 165 ] فالجواب واللّه تعالى أعلم أن المراد بالتثنية قتل سبعين وأسر سبعين يوم بدر ، في مقابلة سبعين يوم أحد ، كما عليه جمهور العلماء . والمراد بإفراد المثل : تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم ، والقراءتان السبعيتان في قوله : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ [ آل عمران : 140 ] بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد فهما لغتان كالضعف والضعف . وقال الفراء : القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه ا ه . ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي : قعيدك ألا تسمعيني ملامة * ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ 142 ] . أنكر اللّه في هذه الآية على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه ، وبين غيره وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) [ البقرة : 214 ] وقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) [ التوبة : 16 ]